مأزق

مجدداً، أقف هنا أنتظر طويلاً..

الانتظار لا يستنفد كل طاقتي كما في المرات السابقة، نقاط الفحص هُنا تليق بالبشر، يمكنني الانتظار عدّةَ أيام إن تطلب الأمر. التفتت إلى أبي أخبره عن تجربتي الأخيرة، “حفر لي أنفي عشان العينة” أضحكته قليلاً، ومن ثم بدأ بطمأنتي “الفحص اللي بالفم سهل”، أجريت الفحص بأشكال عدة، أعني بكل أشكاله، لا أتذمر إلا مازِحةً. بدأت أتمنى أن تمنعني النتيجة الإيجابية من السفر، في الحقيقه كنت أدعو طيلة الوقت أن تعاودني كورونا كي لا أغادر.

نتيجة الفحص خيبت آمالي!

في الطريق إلى المطار تأكدت عدة مرات من وجود جواز السفر ونتيجة الفحص التي أصبحت تفوق الجواز أهميةً، أمر مثير للدهشة، كيف تغير الأيام والأحداث درجات الأولوية للوثائق الشخصية.

درجة حرارتي مرتفعة، بدأت أدعو أن يمنعني هذا من السفر.

في المطار، أمر من البوابة عشرات المرات ولا يلتقطني كاشف الحرارة، أنهي الإجراءات في وقت قصير، أبدأ بالتفكير في الاحتمالات، ماذا لو ألغيت الرحلة لسبب طارئ، أفكر أيضاً، ماذا لو لم يكن التهاب اللوز المسبب للإرهاق والحمى، ثم أتوقف، أعلم أنني أفعل هذا دوماً حين أحاول تجنب التفكير في أمر ما، كان الوداع ما يقلقني، لا أحتمل فكرة الابتعاد عن الرياض هذه المرة.

بعد يومين من محاولات العودة لممارسة الحياة كطالب، بدأت أصاب بالحمى مجدداً، وبعدها صار جسدي لا يقوى على حملي، أخبرني أحدهم أنه ربما علي خسارة خمسة كيلو غرامات، لأصبح أفضل حالاً.. أخبرتني وعد أنها بدأت تفقد حاسة الشم والتذوق، اتصلت ببقية الرفاق، بدأ الجميع في الشكوى من الحمى و الإرهاق. لقد أُصِبنا مجدداً!

سُعدت بذلك قليلاً، إذ سيعفيني المرض من ممارسة الروتين، وجدت سبباً، ومن ثم شعرت برغبة في البكاء، لمَ لمْ أُصَب قبل أيام؟

أمسكتُ هاتفي، أبلغت مركز وبائيات الخرطوم عن الأعراض بكل سرور، أجابني أحدهم بأن عليّ أن ألزم المنزل، وأكّد لي موعداً في الصباح.. والصباح في هذا البلد يعني من طلوع الشمس حتى غروبها، وبعد الغروب أحياناً، لا يمكن تحديد وقت بعينه، فلست أنت من يحدد موعد وصولك هنا، بل الظروف، ازدحام السير، توفر الوقود، ومزاج قائدي المركبات..

في الصباح أنتظر بفارغ الصبر، لم يتصل أحد، نفد صبري، عاودت الاتصال بعد المغرب، ولكن لا رد. في نهاية المطاف قررت الذهاب للمعمل الوطني. كنت في غاية الحذر في التعامل، والتزمت بمسافة مترين من كل المارة. أخبرت الموظف من بُعد عن ظهور أعراض الكورونا عليّ، أغلق الباب، واقترب مني: “مانستقبل مرضى، للمسافرين الفحص”. عدت أدراجي وأنا ألعن هذه البلاد بمن فيها..

في صباح اليوم التالي، عاودت الاتصال بمركز الوبائيات، ولا رد أيضاً.. قلبي يخفق بشكل جنوني، يضيق نفسي كلما تكلمت، يسيل دمعي كلما نظرت إلى الاشياء المحيطة، أفقد شهيتي، تصل الحمى لدرجة عالية، أبدأ بالهلوسة، الأمر المعتاد الذي أقوم به عندما تصيبني الحمى، هو الاعتراف بالمشاعر التي أهابها.

طالت لامُبالاة المركز باتصالاتي، وكان علي أن أقدّم عذري للجامعة عن التغيب، عليّ أن أخضع للفحص بأي طريقة.. وهنا جاءتني الفكرة: أن أُجري الفحص كمسافر!

استعنت بصورة تذكرة قديمة، دعوتُ أن لا ينتبه لتاريخها أحد.. أخافتني فكرة وجودي ضمن تجمع بشري، لذا اخترت المنشأة بعناية، رشوت أحدهم ليؤمنَ لي مقعداً في الهواء الطلق بعيداً عن الناس. وحينما اقتربت مني لأخذ العينة حذرتها: “أنا حاسة باعراض انتبهي”.. كنت لطيفة ولكنها لم تكن كذلك، نقبت عن الذهب في نهاية أنفي..

أسعدتني النتيجة الإيجابية، بعض المرض يصبح مبهجاً حين تود ذلك. مرت لياليّ بمزيد من المعاناة، والأعراض مضت مسرعة، فلم أستطع الاستمتاع بها كما أردت.

بعد أربعة عشر يوماً، عاودت الذهاب إلى المعمل الوطني لإعادة الفحص، يهتم المعمل بالفحص للمسافرين، تُسلم الوثائق ورقياً. يصطف الجميع في نافذة النتائج، وقد كنت بالقرب منها حين أعلن الموظف: إن فايز حامل لكورونا فليتراجع ويبعتد عن الجمع! علت ملامح الذعر الجميع، وتلفتوا يبحثون عن فايز، تقدم الصف أحدهم، تأكد من أنه المعني، ومن ثم بدأ يجادل المسؤول: “كورنةً شنو أثبت لي”، فرّ الجميع، طبّقوا المثل الشهير الذي يستخدمه أبناء عمومتهم: “سيب ديلك واجري”..

ولخبرة فايز العميقة، أصرّ على أنه لا يمكن لشخص أن يصاب بالكورونا دون أعراض، احتج بشدة على نصائح الجميع، وأعلن أنه حُر في ارتداء الكمامة، ولا يمكننا التعدي على حريته. حينها التفتُّ إلى وعد وأخبرتها: “إذا نتيجة الفحص طلعت إيجابيه هالمرة الضحك بيقتلني”.. حتى اللحظة لم يتسبب الضحك في قتلي، وستظل هذه المعضلة تأرقني حتى تجد أجنحة تسافر بها إلى بلوتو، الذي بدوره غادر مجموعتنا الشمسية إلى المجهول!

Be First to Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.