على الطرقات

صباح الخامس من نوفمبر، لاشيء يميز هذا اليوم عن باقي الأيام حتى اللحظة، أستيقظ باكراً أسابق الشروق، كما أسابق الركاب للحصول على المقعد الخلفي في حافلة مهترئة، ثم لا أحظى به.. أستقر في مقعد آخر، أبحث عن معزوفة مناسبة للقراءة أبدأ بتقليب صفحات “فلسفة الأخلاق”، تقع عيني على: “وعلى أية حال، فإن الحياة لا يمكن من أن تعاش مع كل شقائها، ولذلك ابتدع الأغريق..” أتوقف عن القراءة لأتساءل، مالذي ابتدعه الإنسان المعاصر ليعيش؟

بعض الضوضاء في الخلف تتسبب في تشويش تفكيري، وحينها ألاحظ أصابع “الكمساري” التي سئمت من ملاقاة بعضها البعض لتنبهني أن أدفع، (ربما عليك أن تعلم أن الكمساري هو مدير حسابات الحافلة وينبهُ الآخرين للدفع عن طريق “الطقطقة” وهي عبارة عن صوت مصدره تلاقي الخنصر والوسطى) اُخرج المئة جنيه، أناولها لمن أمامي لكي تصله.

يزداد علو الصوت في الخلف، ويحاول أحدهم لفت انتباهي، آه ثانيةً، الحظ المشؤوم يجمع اثنين ببعضهما مصادفةً، وكلٌ منهما يحاول أن يحظى “بوسام الكرم”.

شاب ملتح يحاول تسليمي المبلغ عن الآخر، في حين يبعد الآخرُ يدَه كي يناولني الأجرة، ينتظرهما “الكمساري” بهدوء، لم ألتفت لهما، لست جزءاً من المنافسة، لن آخذ المال من أي منهما لأسلمه لمن أمامي، لماذا عليّ أن أفعل هذا؟ من سنّ هذه القوانين؟ ولم عليهما الاقتتال حول الإحسان والكرم والشهامة؟ ماذا عن الإحسان الذي يقتضي أن تصمت أو تخفض صوتك في الصباح الباكر ليحظى من يحاول القراءة ببعض الهدوء؟

Be First to Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.